محمد حسين علي الصغير

128

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

2 - قرينة غير لفظية ، وتستفاد من الجملة باستحالة صدور ذلك الشيء من فاعله عقلا ، وإنما يكون من أمره ، وفي نطاق مقدوره ودائرته ، وقد ورد ذلك في القرآن العظيم بأكثر من موضع ، وتكرر وجوده في مختلف الجزئيات بأكبر من ملحظ : أ - قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) « 1 » . فالمجيء هنا لأمر اللّه وقدرته وقوته وإرادته ، وليس لذاته القدسية ، لأنه لا يوصف بالذات المتنقلة : القادمة أو الذاهبة أو المتحركة . تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وإنما هذا على سبيل من قوله تعالى : فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ « 2 » . وقوله تعالى : يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ . . . « 3 » وقوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ « 4 » . وهنا نكتة بلاغية جليلة ، فاللّه سبحانه وتعالى كما لا يجوز عليه المجيء بالوجه الذي بيناه ، فإن أمره لا يمكن أن يأتي أو يجيء إلا على وجه مجازي محض ، فأمر اللّه تعالى يصدر ، ولا يأتي ، وينفذ ولا يجيء ، ويطبق ولا يناقش ، ولما جاء التعبير عنه بالقرآن بالإتيان تارة ، والمجيء تارة أخرى ، علمنا هنا من دلالة النص الفنية ، وبذائقة فطرية خالصة أن تأكيد صدوره وكونه قدرا مقضيا ، قد أكد بالإتيان والمجيء للتعبير عن حتمية وقوعه جزما ، وتجسيد نفاذه فورا حتى شخص وكأنه قادم آت متمثل قائم . ب - وفي كل من قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) « 5 » .

--> ( 1 ) الفجر : 22 . ( 2 ) غافر : 78 . ( 3 ) هود : 76 . ( 4 ) النحل : 33 . ( 5 ) طه : 5 .